الغزالي
193
إحياء علوم الدين
وكذلك مضغه بالإنسان ، وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسافله ، فهذا جنون محض ، وليس من التوكل في شيء . فإنك إن انتظرت أن يخلق الله تعالى فيك شبعا دون الخبز ، أو يخلق في الخبز حركة إليك ، أو يسخر ملكا ليمضغه لك ويوصله إلى معدتك ، فقد جهلت سنة الله تعالى . وكذلك لو لم تزرع الأرض ، وطمعت في أن يخلق الله تعالى نباتا من غير بذر ، أو تلد زوجتك من غير وقاع كما ولدت مريم عليها السلام ، فكل ذلك جنون . وأمثال هذا مما يكثر ولا يمكن إحصاؤه . فليس التوكل في هذا المقام بالعمل ، بل بالحال ، والعلم أما العلم : فهو أن تعلم أن الله تعالى خلق الطعام ، واليد ، والأسنان ، وقوة الحركة ، وأنه هو الذي يطعمك ويسقيك . وأما الحال : فهو أن يكون سكون قلبك واعتمادك على فعل الله تعالى ، لا على اليد والطعام . وكيف تعتمد على صحة يدك وربما تجف في الحال وتفلج وكيف تعول على قدرتك وربما يطرأ عليك في الحال ما يزيل عقلك ، ويبطل قوة حركتك وكيف تعول على حضور الطعام وربما يسلط الله تعالى من يغلبك عليه ، أو يبعث حية تزعجك عن مكانك ، وتفرق بينك وبين طعامك ! وإذا احتمل أمثال ذلك ولم يكن لها علاج إلا بفضل الله تعالى ، فبذلك فلتفرح ، وعليه فلتعول . فإذا كان هذا حاله وعلمه فليمد اليد فإنه متوكل الدرجة الثانية : الأسباب التي ليست متيقنة ، ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها ، وكان احتمال حصولها دونها بعيدا . كالذي يفارق الأمصار والقوافل ويسافر في البوادي التي لا يطرقها الناس إلا نادرا ، ويكون سفره من غير استصحاب زاد ، فهذا ليس شرطا في التوكل . بل استصحاب الزاد في البوادي سنة الأولين ، ولا يزول التوكل به بعد أن يكون الاعتماد على فضل الله تعالى لا على الزاد كما سبق ولكن فعل ذلك جائز ، وهو من أعلى مقامات التوكل ، ولذلك كان يفعله الخواص . فإن قلت : فهذا سعي في الهلاك وإلقاء النفس في التهلكة فاعلم أن ذلك يخرج عن كونه حراما بشرطين : أحدهما : أن يكون الرجل قد راض نفسه وجاهدها ، وسواها على الصبر عن الطعام أسبوعا وما يقاربه ، بحيث يصبر عنه بلا ضيق قلب وتشوش خاطر ، وتعذر في ذكر الله تعالى . والثاني : أن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما يتفق من الأشياء الخسيسة . فبعد هذين الشرطين لا يخلو في غالب الأمر